ابن أبي الحديد
118
شرح نهج البلاغة
أمه ما أضعفها وأضيعها ! ومضوا على ذلك من سيئ أعمالهم واستخفافهم بكتاب الله ، قد نبذوه وراء ظهورهم ، فالعنوهم لعنهم الله لعنا ، [ كما يستحقونه ] ( 1 ) . ولقد ولى منهم عمر بن عبد العزيز فاجتهد ولم يكد ، وعجز عن الذي أظهر ، حتى مضى لسبيله . قال : ولم يذكره بخير ولا بشر ، ثم قال : وولى بعده يزيد بن الوليد عبد الملك ، غلام سفيه ضعيف ، غير مأمون على شئ من أمور المسلمين ، لم يبلغ أشده ، ولم يؤنس رشده ، وقد قال الله عز وجل : ( فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) وأمر أمة محمد صلى الله عليه وأحكامها وفروجها ودمائها أعظم عند الله من مال اليتيم ، وإن كان عند الله عظيما ، غلام مأبون في فرجه وبطنه ، يأكل الحرام ، ويشرب الخمر ، ويلبس بردين قد حيكا من غير حلهما ، وصرفت أثمانهما في غير وجهها ، بعد أن ضربت فيهما الأبشار ( 2 ) ، وحلقت فيهما الاشعار ، استحل ما لم يحله الله لعبد صالح ، ولا لنبي مرسل ، فأجلس حبابة عن يمينه ، وسلامة عن يساره ، يغنيانه بمزامير الشيطان ، ويشرب الخمر الصراح ، المحرمة نصا بعينها ، حتى إذا أخذت منه مأخذها ، وخالطت روحه ولحمه ودمه ، وغلبت سورتها على عقله ، مزق برديه ، ثم التفت إليهما ، فقال : أتأذنان لي بأن أطير ! نعم فطر إلى النار ، طر إلى لعنة الله ، طر إلى حيث لا يردك الله . ثم ذكر بنى أمية وأعمالهم ، فقال : أصابوا إمرة ضائعة ، وقوما طغاما جهالا لا يقومون لله بحق ، ولا يفرقون بين الضلالة والهدى ، ويرون أن بنى أمية أرباب لهم ، فملكوا الامر ، وتسلطوا فيه تسلط ربوبية ، بطشهم بطش الجبابرة ، يحكمون بالهوى ، ويقتلون على الغضب ويأخذون بالظن ، ويعطلون الحدود بالشفاعات ، ويؤمنون الخونة ، ويعصون ذوي
--> ( 1 ) من ب . ( 2 ) الأبشار : جمع بشر ، وهو جمع بشرة ، ظاهر الجلد ، أي ضرب الناس في جباية الأموال .